سلوى روضة شقير/

محلّقة فوق السراب

 

أحدث معرضُ سلوى روضة شقير  الاسترجاعي الشموليّ ، عام 1962،  أثراً مدويّاً على إحساسي الجماليّ. كنت يومها طالباً في قسم العلوم الإنسانيّة والإقتصادية مهتماً بشغف بالحقل الفني، ولكن تفصلني أشواطٌ عن مجال النقد. لم يكن يخطر على بالي حينذاك أن الأمور ستقودني الى الكتابة حول الفنون التشكيليّة.

فيضٌ من الإبداع والتميّز في المعالجة والمقاربة، مسبوكٌ حتى في أدقّ قطع الحُلي، دون أن نغفل الرسومات والبسط والخزفيّات وسائر المصنوعات الفنيّة. غمرتني الدهشة. إنقلبت معاييرُ ذائقتي الفنيّة على الفور. إنكشف فجأةً أمامي عالمٌ جديد.

مُذّاك الحين، أصبحتْ  سلوى روضة شقير مرجعيّةً أحتكم ضمنيّاً اليها لتقييم  أيّ عمل فنيّ  لأيّ فنان تشكيلي. كنت محظوظاً جداً. إذ لم يسبقْ  أن تعرّضتُ مباشرةً لفنٍ حديث بهذا الغنى البصري والجسارة الفنيّة. إكتشفتُ،  دُفعةً واحدةً، شبكة مرئيّات وتكراراً خلاّقاً لوحدات وسياقات وأنماط مسيطرة في تأليف اللوحة، وتراكيب لا محدودة، دونما أن أربطها حينذاك مع الفني الإسلامي. أدركتُ على الفور أنّ الفنون التشكيليّة ليست محض محاكاة أو نقل حرّ  للعالم الخارجي المحسوس، وإنما بوسعها التوجه الى الإدراك العقلي.  وأنّ فيها ما في الموسيقى ومعادلات الرياضيّات والأنماط والألعاب، من قواعد وموازين، وإن أمكن التلاعب بها بحريّة.

كانت تجربة سلوى روضة شقير الفنية برهاناً غْرافيّاً على أن الفنّ ، بما في ذلك الفنّ التجسيدي، ليس محض نقل أو محاكاة جوفاء للأصل، وإنما هو إبتكار لا يحدّ. مذّاك الحين، أصبح "كمّ الإبتكار" معياراً  لبناء أحكامي النقديّة، لا بوصفه فنتازيا فالتة من عُقالها، بل من حيث أنه إبتكار ملتزم بشروط وقوانين وضوابط للشطحان في المجال الفني، وإن كان بعضها على صلة بالمعطى الموضوعي، وليس إختياراً ذاتيّاً.

في السنوات اللاحقة، أخذت أعمال سلوى روضة شقير  منحىً تفاعليّا مطرداً ، ليس فقط تفاعلاً فيما بين مكوّنات القطعة الفنيّة، وانما تفاعل بين القطعة والرائي، بحيث يُقحم المشاهد خارج التلقي السلبي ليغدو عنصراً فاعلاً في اللعبة الفنيّة اللامحدودة. وبذا يفقد العمل الفنّي بنيته الدائمة وجموده، وهالة القدسيّة، محرّضاً القدرة الخلاّقة لذلك المُشاهد الذي يجرؤ على التصالح معه.

إن سلوى روضة شقير، بتنازلها عن قدسيّة العمل الفنّي ومكانة الفنّان المحظي بالنعم، أقحمتنا مجدّداً في مفهومٍ للفنّ، مغايرٍ تماماً للسائد في لبنان في تلك الفترة.

تخطى اسلوب سلوى روضة شقير  الرياديّ  قدراتَ تلقيّ الجمهور اللبناني وقبوله للابتكار. خبراءٌ مزعومون كُثر جَفلوا من مقترحاتها الفنيّة، على الرغم من نيلها الجوائز التقديريّة العديدة سواء في المباريات الفنية أو في المعارض الجماعيّة. وهي لا تزال اليوم علامةً فارقةً وسط المبدعين الخلاّقين الذين تزداد مدلولات أعمالهم مع مرور الزمن، لما تولده من نقلات نوعيّة في طرائق رؤيتنا وممارستنا وتقييمنا للفن في الشرق الأوسط.  

كانت سلوى روضة شقير  من الأوائل والقلائل الذين أدركوا جوهر الفن الإسلامي، استيعاباً وتمثيلاً،

بمقدار إستثنائي من الصوابيّة في الادراك الحدسي لهذا الموروث الفني. مستلهمةً موحياتها الشكليّة من روحيّة وأساليب هذا المخزون الفني العريق، الذي ليس مجرّد زخرفة، بل يتعداها الى مناخات أسمى، تمكّنت المبدعة من ان تشرّع ابواب إنتاج فني شخصي وشديد الخصوصية.  

أكثر ما يثير إعجابي في سلوى روضة شقير  هو أسبقيّتها في الفن. فهي لا تدين بشيء لأحد. صهرت نفسَها بنفسِها، وبقيت أمينةً لحدْثِها التأسيسي والبدئي. وبقيت موحياتها الأساسية التي تجلت في رسومات الفترة 1947-1950 ، مَعيناً لا ينضب للافكار والمشاريع الفنية. وتشكل بعض هذه الموحيات الثنائية الأبعاد إرهاصات لمنحوتاتها اللاحقة. أيسعنا ألاّ نعجب بهذه الاستمراريّة، من مجال أحادي البعد الى مجال آخر، لمنطق شكليّ مُخْصب وعلى قدر عظيم من التماسك؟

إنه أمرٌ مغر، لكن غير موفّق، أن نطلق على سلوى روضة شقير  لقبَ سيّدة الفنون التشكيليّة في لبنان، لا بل في المشرق. ففي فضاءات الفنّ النوعيّة، تزول الفروقات الجندرية. سلوى روضة شقير،  بكل بساطة، من سلالة الفنانين المبدعين الكلاسيكيين المدهشين، في زمننا الراهن وفي كافة الأزمنة.  فمنذ البداية، آثرت أن تمضي ضد التيّار الجارف، بشجاعة لا تلين وإصرار على تجسيد مفهومها ورؤيتها الفنيين الى أبعد الحدود.  لم تنل من عزيمتها التحفظات والانتقادات والضغوط وقلة الفهم، لا بل العدائيّة. أدركت أنها تسلك طريقاً وعراً وموحشاً. ولم تكن تتوقّع تلقي التقدير المناسب في بلدٍ كانت الذائقة الفنيّة السائدة خاضعةً للإنطباعيّة والغنائية التجريديّة وومضات من التعبيريّة. كان إبداعها مغايراً ، لا عهد لهم به من قبل. كانت نيزكاً آتياً من مكان بعيد. لم يكن أحد يعرف كيف يتعامل مع هذه الظاهرة الفريدة، باستثناء قلّة من العارفين المستنيرين.

كانت على قناعة بصوابيّة التوجّه الذي اختارته،  متلمسةً في هذه القناعة ما يعزّز ويدعّم ويدفع مسيرتها الابداعيّة الموحشة. إن عزيمتها الثابتة، وقدرتها الاستثنائيّة على مجابهة الضغوط المولدة للمرارة والاسى، وليدة البيئة الاجتماعيّة والثقافيّة والفنيّة الراهنة، وإصرارها على تجسيد رؤيتها الداخلية في مختلف مراحل وجوانب إنتاجها الابداعي، دون أن نغفل القيمة الفنيّة الفريدة لأعمالها التي جرى تناولها في دراسات لهيلين الخال وجاك أسود، هي جميعاً رسالةٌ موجهةُ الى الأجيال الصاعدة، اللاهثةِ وراء بريق النجاح الاجتماعي  ومغريات الكسب السريع. وفي نظري، تبقى سلوى روضة شقير  عنواناً للفنان الأصيل المتمسك بصلابة الروّاد حتى النهاية المريرة، أيّاً تكن. طائرٌ نادر، يحلق عالياً فوق أسراب الطيور. 

 

 

جوزيف طراب